حيدر حب الله
23
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
مقاصده من ساحةٍ للعشق الإلهيّ وتفضيل الآخرة على الدنيا إلى ساحة لطلب الدنيا نفسها ، فيحصل تحوُّل في المفهوم والظاهرة ، قال تعالى : ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً * فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ) ( النساء : 72 - 74 ) . إنّ هذه الآية الكريمة تريد أن تحصر القتال تقريباً بأولئك الذين يبيعون الدنيا مقابل أن يحظَوْا بالآخرة ، هؤلاء هم الذين ينبغي أن يقاتلوا ، لا أولئك الذين إنما يقاتلون لأجل الغنائم وتحصيل المكاسب الدنيوية . وهكذا تجد في حركة الإصلاح والتغيير بعض الأشخاص الوصوليّين الانتهازيّين الذين يريدون أن ينضمّوا إلى المسيرة بهدف تحقيق بعض المكاسب التي يجدونها عند هذا الفريق ، ولا سيّما عندما يلاحظون تقدُّم هذا الفريق في مواقع القوّة وتحقيقه بعض المنجزات . ولهذا لم يساوِ القرآن الكريم بين أنواع المقاتلين أنفسهم ، فضلًا عن عدم مساواته بين القاعدين والمجاهدين ، فقال عزَّ من قائل : ( وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ( الحديد : 10 ) . هذه الآية الكريمة تؤكّد أنّ المقام الأسمى يكون لأولئك الذين واجهوا وتحمّلوا في مواقع الشدّة ؛ لأنّ هذا العنصر يكشف عن درجةٍ إيمانيّة عالية عندهم وجهادٍ حقيقيّ مخلص ، حيث لم يكن يرجو صاحبه شيئاً وهم القلّة الضعيفة ، أما